العلامة المجلسي

185

بحار الأنوار

ثم دعا دهقان ( 1 ) الإسكندرية فقال له : أعمر مسجدي ، وعز عني أمي ، فلما رأى الدهقان جزع أمه وطول بكائها احتال ليعزيها بما أصاب الناس قبلها وبعدها من المصائب والبلاء ، فصنع عيدا عظيما ثم أذن مؤذنه : أيها الناس إن الدهقان يؤذنكم أن تحضروا يوم كذا وكذا ، فلما كان ذلك اليوم أذن مؤذنه : أسرعوا ( 2 ) واحذروا أن يحضر هذا العيد إلا رجل قد عرى من البلاء والمصائب ، فاحتبس الناس كلهم وقالوا : ليس فينا أحد عرى من البلاء والمصائب ، ما منا أحد إلا وقد أصيب ببلاء أو بموت حميم ، فسمعت أم ذي القرنين فأعجبها ولم تدر ما أراد الدهقان . ثم إن الدهقان بعث مناديا ينادي فقال : أيها الناس إن الدهقان قد أمركم أن تحضروا يوم كذا وكذا ولا يحضر إلا رجل قد ابتلي وأصيب وفجع ولا يحضره أحد عرى من البلاء ، فإنه لا خير فيمن لا يصيبه البلاء ، فلما فعل ذلك قال الناس : هذا رجل قد بخل ( 3 ) ثم ندم واستحيى فتدارك أمره ومحا عيبه ، فلما اجتمعوا خطبهم ثم قال ؟ إني لم أجمعكم لما دعوتكم له ، ولكني جمعتكم لأكلمكم في ذي القرنين وفيما فجعنا به من فقده وفراقه ، فاذكروا آدم إن الله عز وجل خلقه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ملائكته ، وأسكنه جنته وأكرمه بكرامة لم يكرم بها أحدا ثم ابتلاه بأعظم بلية كانت في الدنيا وذلك الخروج من الجنة ، وهي المصيبة التي لاجبر لها ، ثم ابتلي إبراهيم من بعده بالحريق ، وابتلى ابنه بالذبح ، ويعقوب بالحزن والبكاء ، ويوسف بالرق ، وأيوب بالسقم ، ويحيى بالذبح ، وزكريا بالقتل ، وعيسى بالأسر ، وخلقا من خلق الله كثيرا لا يحصيهم إلا الله عز وجل . فلما فرغ من هذا الكلام قال لهم : انطلقوا وعزوا أم الاسكندروس لننظر كيف صبرها ، فإنها أعظم مصيبة في ابنها ، فلما دخلوا عليها قالوا لها : هل حضرت الجمع اليوم ؟ وسمعت الكلام ؟ قالت لهم : ما غاب ( 4 ) عني من أمركم شئ ، ولا سقط عني من كلامكم شئ ، وما كان فيكم أحد أعظم مصيبة بالاسكندروس مني ، ولقد صبرني الله وأرضاني وربط

--> ( 1 ) الدهقان : رئيس إقليم . ( 2 ) في المصدر : احضروا واسرعوا اه‍ . م ( 3 ) " : قد كان بخل . م ( 4 ) " : ما خفى عنى . م